ماذا يحدث للجسم عند الضغط النفسي الحاد والمزمن؟

إذا كنت لا تعرف ماذا يحدث للجسم عند الضغط النفسي الحاد والمزمن؟ وكيف يؤثر كل من التوتر العصبي الحاد والمزمن على فيزيولوجية الجسم؟. ننصحك بقراءة هذه المقالة للتعرف بشكل علمي دقيق ومفصل على ما يجري داخل الدماغ والغدد التي تحرر الهرمونات عند التعرض للإجهاد الحاد والمزمن.

ماذا يحدث للجسم عند الضغط النفسي الحاد والمزمن؟
ماذا يحدث للجسم عند الضغط النفسي الحاد والمزمن ؟

ماذا يحدث للجسم عند الضغط العصبي الحاد والمزمن؟

هناك العديد من الدراسات والأبحاث العلمية الحديثة في علم الأعصاب التي أصبحت تهتم بدراسة التوتر العصبي والضغط النفسي. خصوصا الكيفية التي يستجيب بها الجهاز العصبي وجهاز الغدد الصماء إتجاه المثيرات. صحيح أننا نتعرض جميعا إلى أنواع متعددة ومختلفة من التوتر لكن ليس بنفس الدرجة والحدة. ورغم ذلك فإن أجسادنا تتعامل بنفس الطريقة مع جميع أنواع التوتر رغم إختلاف درجتها وحدتها.

التعرض للتوتر العصبي والضغط النفسي هو أمر بديهي فالحياة تتميز بهذا منذ نشأتها والإنسان شأنه شأن جميع الكائنات الأخرى. يحتاج إلى التوتر بجرعات ضئيلة ومتفرقة بين الفينة والأخرى من أجل التكيف والتأقلم مع الوضعيات المتغيرة التي تفرضها الحياة. ثم بعد ذلك تعود الوظائف الفيزيولوجية والنفسية لوضعها الطبيعي. بالمقابل في بعض الحالات قد نجد أن الإنسان المعاصر بدأ يتعرض بشكل مفرط ومزمن للتوتر. بحيت زادت جرعته اليومية عن الحد الطبيعي المسموح به مما أدى بذلك إلى حدوث العديد من الأمراض والإضطرابات العضوية والنفسية.

التوتر النفسي والضغط العصبي تتفاعل معه أجساد الحيوانات بما في ذلك الإنسان بنفس الطريقة أي بشكل مشابه. فرغم أن الإنسان العاقل اليوم يتعرض إلى التوتر بأشكال وأنماط مختلفة لكن رغم ذلك جسمه لا يزال يتفاعل مع الضغط والتوتر بنفس الكيفية. خصوصا من الناحية البيولوجية والتي سوف تكون محور هذه المقالة. وللإشارة فإن الأليات الفيزيولجية لكل من التوتر العصبي والضغط النفسي الحاد والمزمن. لا تختلف إلا في المرحلة الأخيرة التي لا يستطيع فيها الجسم العودة إلى حالة التوازن الجسدي والنفسي.

ماذا يحدث للجسم عند الضغط النفسي؟

في الحالة الطبيعية عندما تتعرض الكائنات الحية بما في ذلك الإنسان للتوتر والإجهاد الحاد. فإن الجهاز العصبي وجهاز الغدد الصماء يتضامنان ويتعاونان من أجل الرجوع إلى قاعدة البيانات لثابتة التوازن الداخلي "homeostasis". هذه الثابتة هدفها الرئيسي هو الحفاظ على التوازن الفيزيولوجي بمعنى الحفاظ على قيمة تركيز السكر بمعدل 1 غرام في اللتر الواحد من الدم. والحفاظ على قيمة درجة الحرارة في 37 درجة والحفاظ على ضربات القلب بمعدل 70 نبضة في الدقيقة. نفس الأمر بالنسبة لمعدل ضغط الدم وإيقاع التنفس وتركيز الهرمونات، النواقل العصبية، الفيتامينات، المعادن، الأنزيمات، البروتينات، الذهنيات....). في المقابل ضبط هذه الإعدادات الفيزيولوجية على نحو من التوازن سوف ينعكس على الجانب النفسي ونبدأ نتكلم بذلك على ما يسمى بالتوازن النفسي والفكري .

لكن في حالة التعرض للإجهاد والتوتر العصبي والضغط النفسي بشكل مستمر ومزمن تتغير كل هذه المعايير. ويصبح الكائن الحي غير قادر على إستعادة توازنه السابق من الناحية الجسدية والنفسية الشيء الذي يعرضه للإصابة بالعديد من الأمراض والإضطرابات. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما الذي يقع داخل أجساد الكائنات الحية بما في ذلك الإنسان ويجعلها عاجزة على إستعادة توازنها الفيزيولوجي والنفسي؟. لكن قبل الإجابة على هذا السؤال يجب علينا جميعا معرفة أن التوتر المزمن يمر من نفس المراحل التي يمر منها التوتر الحاد. بإستثناء مرحلة العودة إلى حالة التوازن الجسدي والنفسي : 

1) المرحلة الأولى : إلتقاط إشارات التوتر

يلتقط الجهاز العصبي إشارات التوتر من ثلات مصادر رئيسية :

• مصدر فيزيولوجي : يصاب الإنسان والحيوانات بالتوتر من هذا المصدر عندما يحدث إضطراب وإختلال في الإعدادات الفيزيوكيميائية لتابثة التوازن للوسط الداخلي. أنذاك يلتقط الجهاز العصبي إشارات التوتر الواردة من هذا المصدر عبر عدة مستقبلات تنتشر داخل الجسم البشري نذكر منها :

¤ مستقبلات حرارية (thermoreceptors) : هي مستقبلات حرارية تحاكي أي تغير في قيمة درجة الحرارة داخل الجسم البشري.

¤ مستقبلات كيميائية (chemoreceptors) : هي مستقبلات كيميائية تحاكي أي تغير في تراكيز المواد الكيميائية داخل الجسم البشري.

• مصدر نفسي : يصاب الإنسان والحيوانات بالتوتر من هذا المصدر عندما يحدث إضطراب وإختلال بين الأحاسيس والأفكار الإيجابية مع الأحاسيس والأفكار السلبية. أنذاك تلتقط إشارات التوتر الواردة من هذا المصدر عبر عدة مستقبلات تتواجد على سطح خلايا الدماغ البشري. هذه الخلايا تلعب دور مهم في إنتاج المشاعر والأحاسيس النفسية بالإضافة إلى تشكيل المسارات العصبية للوحدات العقلية.

• مصدر بيئي ناتج عن المشاكل والضغوط الإجتماعية وكذا التجارب و الصدمات الحياتية التي يصادفها الفرد في حياته اليومية. يتم إلتقاط إشارات التوتر الواردة من هذا المصدر عبر المستقبلات الحسية التي تتواجد على مستوى الحواس الخمس للجسم البشري نذكر منها أساسا :

¤ مستقبلات ضوئية (photoreceptor) : هي نوع من المستقبلات الخاصة بقرنية العين والتي تساعد في إلتقاط الضوء من الوسط الخارجي وتمريره إلى الدماغ.

¤ مستقبلات صوتية (acoustic receptor) : هي نوع من المستقبلات الخاصة بسمع الأصوات لدى الإنسان والحيوانات الأخرى.

¤ مستقبلات ميكانيكية (mecanorceptor) : هي مستقبلات لمسية تحاكي أي تماس داخلي أو خارجي مع الجسم البشري.

2) المرحلة التانية :  المعالجة العصبية لإشارات التوتر

يعالج الجهاز العصبي الذاتي تلقائيا إشارات التوتر بمشاركة مجموعة من البنيات العصبية التي تعمل تحت لواء اللاشعور ومن أبرز هذه الأعضاء العصبية نذكر :

• المهاد (thalamus) : هي أول بنية عصبية تستقبل إشارات التوتر العصبي والضغط النفسي من مصادرها التي ذكرنها أعلاه. وتمررها بعد ذلك مباشرة إلى اللوزة الدماغية وإضافة لذلك فإن المهاد يلعب وظائف أخرى  تتجلى في تنظيم وظائف الوعي والنوم واليقظة.

• اللوزة الدماغية (amygdala) : هي بنية عصبية تقع داخل الفص الصدغي أمام الحصين تنتمي إلى الجهاز الحوفي (الدماغ العاطفي). تعتبر هذه البنية المستقبل الثاني لجميع إشارات التوتر والضغط و كل ما يدخل في إضطرابات القلق والخوف. بالإضافة إلى أن لها دور مهم في الإدراك و تقييم العواطف (خاصة المتعة) قبل حدوث الإستجابات السلوكية. بعد تحليل و معالجة المعلومات الواردة من المهاد تقوم اللوزة الدماغية بمراسلة بنية تحت المهاد. وتنشط مسار الجهاز العصبي السمباثي كي تخبرهم بوجود خطر ما يهدد أمن و سلامة هذا الكائن الحي.

• تحت المهاد (Hypothalamus) : يعتبر تحت المهاد أحد البنيات العصبية التي تعمل دور الوساطة  بين الجهاز العصبي و جهاز إفرازات الغدد الصماء. يتلقى الآوامر من عدة مراكز في الدماغ أهمها اللوزة الدماغية بحيث تقوم هذه الأخيرة بمساعدة مجموعة من النواقل العصبية بإخباره في لحضات التوتر و القلق. بأن يتأهب لدق ناقوص الخطر على جهاز الغدد الصماء لبداية فتح المسلك بينه و بين الجهاز العصبي ويسمى هذا المسلك  بالإنجليزية "The hypothalamic-pituitary-adrenal axis". وتكون نتيجة هذا التواصل بين الجهاز العصبي وجهاز الغدد الصماء إفراز هرمون الكورتيزول من قشرة الغدة الكضرية.

• الجهاز العصبي الذاتي السمباثي (Autonomic nervous system sympathetic) : خلال لحضات التوتر والضغط النفسي الحاد. تنبه اللوزة الدماغية الجهاز العصبي الذاتي السمباثي عبر إمتدادات عصبية تخرج من جذع النخاع الشوكي. في إتجاه لب الغدد الفوق كلوية من أجل أن تحرر هذه الأخيرة هرمون الأدرينالين في الدورة الدموية.


3) المرحلة الثالثة : تنشيط جهاز إفرازات الغدد الصماء

تنتهي وظيفة الجهاز العصبي بمجرد تنبيه تحت المهاد لجهاز إفرازات الغدد الصما. هذا الأخير الذي يعمل عند جميع الكائنات الحية في لحظات التوتر والضغط بنفس الطريقة وذلك إنطلاقا من غدتين داخلتي الإفراز وهما :

• الغدة النخامية (pituitary gland) : هي غدة داخلية الإفراز بمعنى أن هرموناتها تفرز مباشرة في الدورة الدموية تقع على قاعدة الدماغ.  وتتمثل وظيفتها أساسا في التحكم بجميع الغدد الآخرى (الدرقية ، الكضرية ، البنكرياس ، الخصيتين ، المبيض ...). المكونة لجهاز إفرازات الغدد الصماء التي تنتشر في جسم الإنسان. يمكن تشبيه هذا الدور الذي تقوم به الغدة النخامية بقائد الفرقة الموسيقية الذي يقود أعضاء الفرقة ناحية إيقاع محدد. من الناحية المورفولوجية تنقسم الغدة النخامية إلى فصين :

 ¤ الفص الخلفي (Anterior pituitary) : يكون مرتبط مباشرة تحت المهاد عبر مجموعة من الخلايا العصبية. وظيفته تقتصر فقط على إفراز نوعين من الهرمونات في الدورة الدموية بعدما يقوم تحت المهاد مسبقا بتصنيعها هذه الهرمونات هي :

- هرمون العطش ADH : يفرز هذا الهرمون إستجابة للحالات التي تشعر فيها الكائنات الحية بالعطش. بحيث يقوم بعد تحريره في الدورة الدموية بتعطيل نفاذية الماء نحوى المثانة.

- هرمون الأكسيتوسين : يفرز هذا الهرمون إستجابة لمرحلة الولادة التي تمر منها النساء بحيت يقوم بتنشيط تقلصات عضلات الرحم. من أجل تسهيل عملية الولادة للجنين بالإضافة إلى تحفيز الغدد التي تقع على مستوى التديين من أجل إفراز الحليب.

¤ الفص الأمامي (adenohypophysis) : وظيفته إنتاج مجموعة من الهرمونات التي بفضلها يتم تنشيط وتحفيز باقي الغدد الأخرى على إفراز الهرمونات التي يحتاجها الجسم. من أجل قيامه بالوظائف الحيوية مثال في حالة التعرض للتوتر والضغط تقوم الغدة النخامية بإفراز هرمون ACTH الذي يقوم بتحفيز قشرة الغدد الفوق كلوية. من أجل أن تحرر الكورتيزول في الدورة الدموية للتأقلم مع المثيرات وظروف الوسط المتغيرة.

• الغدة الكضرية أو الفوق كلوية (adrenal gland) : هي غدة داخلية الإفراز تنتمي لجهاز إفرازات الغدد الصماء لكونها تحرر جميع مكوناتها مباشرة داخل الدم. بعدما تستقبل الغدة الفوق كلوية الأوامر من قائد الفرقة الموسيقية (الغدة النخامية). والأعصاب التي تعمل لصالح الجهاز العصبي الذاتي السمباثي تقوم مباشرة بتحرير هرموناتها التي تنتج في منطقتين هما :

¤ القشرة الكضرية (adrenal cortex) : تنقسم بدورها إلى ثلات مناطق مسؤولة على إنتاح ثلات هرمونات : حيث الجزء المسمى zona glomerula يفرز الألدوسترون والجزء المسمى zona fasciculata يفرز الكورتيزول أما الجزء المسمى zona reticularis فيفرز الأندروجين للرجل أو التستسترون للأنثى.

¤ لب الكضرية (medulla) : هو الجزء المركزي من الغدد الفوق كلوية مسؤول عن إنتاج ثلات هرمونات (الدوبامين ، النورأدرينالين، الأدرينالين).


4) المرحلة الرابعة : تفعيل سلوك المواجهة أو الهروب

بعد أن تقوم الغدة الكضرية بتحرير الأدرينالين والكورتيزول في الدورة الدموية إستجابة للحضات التوتر والإجهاد. تقوم هذه الهرمونات بالتأثير على أعضاء الجسم بطرق مختلفة يكون الهدف منها هو تحضير الكائن الحي للقيام بسلوك المواجهة أو الهروب (fight or flight). بعد ذلك كان من المفروض على هذه الهرمونات أن تعود لتركيزها الطبيعي وكذلك جميع الأعراض الناجمة عنها أن تختفي. ولكن بسبب مجموعة من العوامل والأسباب التي سوف نذكرها أسفله هذه الهرمونات تبقى في الدورة الدموية لمدة أطول وتتسبب في العديد من الأعراض والمضاعفات الخطييرة.


أحبابي الكرام وصلنا لنهاية هذه التدوينة لا تنسوا مشاركتها مع أصدقائكم لتعم الفائدة إلى اللقاء
عبد الهادي اليزغي
الكاتب : عبد الهادي اليزغي
صفحة فيسبوك الصحة فري - لكل مرض علاج قناة يوتيوب الصحة فري - لكل مرض علاج صفحة تويتر الصحة فري - لكل مرض علاج صفحة لنكدن الصحة فري - لكل مرض علاج
عانيت 27 سنة مع أعراض القولون العصبي, أعراض الإكتئاب, الخوف الشديد, التوتر والقلق الحاد, الضغط الدموي, الإمساك المزمن, ضيق التنفس وأمراض أخرى، دخلت الجامعة ودرست ماجيستر الصحة ثم أنقض العلم حياتي تابعوني على مواقع التواصل الإجتماعي تحت شعار لكل مرض علاج.